محمد سعيد رمضان البوطي
255
فقه السيرة ( البوطي )
صلح الحديبية كان في شهر ذي القعدة ، آخر سنة ست للهجرة . وسببها ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أعلن في المسلمين أنه متوجه إلى مكة معتمرا ، فتبعه جمع كبير من المهاجرين والأنصار بلغ عددهم ألفا وأربعمائة تقريبا ، وأحرم صلى اللّه عليه وسلم بالعمرة في الطريق ، وساق معه الهدي ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرا البيت ومعظما له . وأرسل صلى اللّه عليه وسلم وهو عند ذي الحليفة عينا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة ، وسار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حتى وصل إلى غدير الأشطاط ، فأتاه العين الذي كان قد أرسله ، فقال له : قريشا جمعت لك جموعا ، وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك ، فقال : « أشيروا أيها الناس » . فقال له أبو بكر : يا رسول اللّه ، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد ، فتوجه له ، فمن صدنا عنه قاتلناه ، قال : « امضوا على اسم اللّه » . ثم قال : « من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ » فقال له رجل من بني أسلم : أنا يا رسول اللّه ، فسلك بهم طريقا وعرا بين الشعاب ، وسار النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه حتى إذا كانوا في ثنية المرار - وهي طريق في الجبل تشرف على الحديبية - بركت به راحلته ، فقال الناس : حل ، حل - اسم صوت كانوا يزجرون به الجمال - فلم تتحرك ، فقالوا : خلأت القصواء ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما خلأت ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل » ، ثم قال : « والذي نفسي بيده ، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها » ، ثم زجرها فوثبت ، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على حفيرة قليلة الماء ، فلم يلبث الناس حتى نزحوه ، وشكوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العطش ، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فو اللّه ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صدروا عنه « 1 » فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر معه ، فقال : إني
--> ( 1 ) هذه من رواية البخاري في كتاب الشرط وابن إسحاق وغيرهما ، وقد ذكر البخاري في كتاب المغازي -